شجرة الشموس الصغيرة

كانت الأجمل في الحديقة بين بقية الأشجار: شجرة التفاح ، شجرة الرمان ، شجرة اللوز ، التينة و الدالية .. كانت باسقة قوية رغم أنها تحتل الزاوية بجانب حوض الماء كانت تطل على الشارع وتتباهى بثمارها أمام الجيران والمارة  ..كما أنها  كانت تعانق سقف البيت ، كانت معطاءة كسيدها فالكل كان يعرف طعم تلك الشموس البرتقالية اللذيذة و المربى الذي كنا نساعد في تحضيره بعد القطاف الذي كان يدوم فترة أخالها طويلة ، كأنه موسم كامل أظن ذلك بسبب الطفولة : الأيام أطول والذكريات أجمل . تلك الشجرة التي كثيرا ما لعبنا في ظلها ، وعذبناها بانتزاع الصمغ من جذعها ، تلك الشجرة التي كانت تعانق  أرجوحتنا نحن أحفاد يوسف ، أكاد أقسم أنه كان لها أحاسيس وكان لها ولاء عظيم لصاحبها ، لقد مرضت حين مرض  أم أنها لم تعد تثمر  لأنها لم تعد ترى وجهه السمح ، لم يعد يتواجد في الحديقة لم يعد يسقي أشجاره وينتبه لها كما اعتدنا وجوده دائما نحن وأشجاره، لعل الأشجار الأخرى لم تكترث لغيابه وظلت تثمر لحد الآن هي الشجرة الوحيدة التي ظلت تمتنع عن صنع شموسها الذهبية طوال فترة مرضه لكن منظرها الأخضر كان جميلا حتى بغياب البرتقالي لكن حين توفي امتنعت حتى عن الأوراق ، ظلت قابعة هناك عارية بشعة بدون شموس أو حتى أوراق لا شك أنها كانت محزونة لفراقه . وفوجئنا ذات زيارة  بغيابها لم نجد سوى جذع ضخم التهم الذكريات والظل وسماء الشموس ، جدتي لم تحتمل منظرها البشع الحزين وقطعت أملها بأن تعود الشجرة لسابق عهدها  فآثرت أن تقضي على حزنها الذي أمضى شبحا نتحلق حوله كلما زرناها ، كثيرا ما أتخيلها شامخة هناك وصارت ذكراها متعلقة بذكرى جدي رحمة الله عليه ، منظر جذعها أو  ما تبقى منها يثير حزنا أعمق…

Advertisements

4 thoughts on “شجرة الشموس الصغيرة

التعليقات مغلقة.